الصفحة الرئيسية

راسل إداره الموقع

 
| | |

 
     
+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 13

المشاهدات : 9464 الردود: 12 الموضوع: لغز الموت..د:مصطفى محمود

  1. #1
    *** ملاك المنتدى *** مشرفة عامة

    الصورة الرمزية دوري
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    14,003
    اعجبك
    377
    أُعجب بك : 331

    افتراضي لغز الموت..د:مصطفى محمود



    لغز الموت..د:مصطفى محمود



    الزمــــــــن


    إن دقات ساعة الحائط تقدم لك زمنا مزيفا..أبحث عن زمنك الحقيقى فى دقات قلبك..ونبض إحساسك..



    كل شئ فى الدنيا يجرى ويلهث


    الشمس تشرق وتغرب..


    والنجوم تدور فى أفلاكها..


    والأرض تهب من الجهات الأربع..


    والسيول تنهمر من أعلى الجبال..


    واليانبيع تنفجر من باطن الأر ض..


    والنبات والحيوان والانسان تعيش كلها فى حركة دائبة..


    وذرات الجماد تهرول فى مدارتها..


    وظاهرات الطبيعة كلها عبارة عن حركة ..الكهرباء حركة..والصوت حركة..والضوء حركة ..والحرارة حركة..والكون كله يتمدد مثل فقاعه من الصابون وينفجر من الفضاء..


    المادة فى حالة انتشار وذبذبة وحركة ولهذا يقول اينشتاين إن لها بعد رابعا غير الأبعاد الثلاثة المعروفة..هذا البعد هو الزمن ..أو الزمن الملتصق بالمكان ويسمية الزمكان..


    المادة مثل حيوان له طول وعرض وسمك وعمر ..والعمر يدخل فى تركبيها ..كما يدخل فى تركيب الحيوان ..الزمن إحدى الفتلات التى يتألف منها نسيج الكائن المادة.


    وهو إيضا إحدى الفتلات منها نسيج الكائن الحى.



    ولكن ما الزمن.


    هل هو دقات ساعة الجامعة..والنتيجة المعلقة بالحائط والتقويم الفلكى بالفصول والأيام ..


    إننا مازلنا نذكر كلمات المراقب ونحن نؤدى الامتحان فى آخر كل سنة..


    باقى من الزمن نصف ساعة..


    نذكر الرجفة التى كنا نحس بها ونحن ننظر إلى ورقة الاجابة


    وإلى ورقة الأسئلة ,,وإلى الساعة فى يد المراقب ..وإلى شفتيه وهما تنطقان..


    باقى من الزمن نصف ساعة..


    كأنه ينطق حكم بالأعدام .أو حكما بالأفراج..


    كان النصف ساعة عند بعضنا قصيراً جدا ..أقصر من نصف دقيقة لأن ورقة الأجابة لازلت بيضاء أمامه ..ولأنه مازال يبحث ..ويهرش فى رأسه..


    وكان عند بعضنا طويلا مملا ..أطول من نصف يوم لأنه قد انتهى من الأجابة..


    كانت الساعة فى يد المراقب تشير إلى زمن واحد ..ولكن كلا منا كان له زمن خاص به..


    كان معيار الدقائق عند كل منا يختلف عن الآخر..


    وهذا هو مفتاح اللغز..


    إن الزمن ليس شيئا منعزلا عنا مثل الشجرة والمحبرة والكتاب..ليس زمبلكا تحتويه ساعة اليد ,,ولكنه شئ يلابسنا


    لكل منا زمن خاص به.


    عواطفنا واهتماماتنا هى الساعة الحقيقية التى تضبط الزمن وتطيله أو تقصره


    أفراحنا تجعل ساعاتنا لحظات.


    وآلامنا تجعل لحظاتنا طويلة ومريرة ثقيلة مثل السنين وأطول ..


    إحساسنا بالسرعة والبطء ليس مصدرة ساعة الحائط ولكن مصدرة الحقيقى الشعور داخلنا..


    إن ساعة الحائط تقدم لنا زمنا مزيفا ...ومثلها التقويم الفلكى الذى يقسم حياتنا إلى أيام وشهور وفصول..


    والتاريخ الذى يقسم أعمارنا إلى ماضى وحاضر ومستقبل ..لأن حياتنا غير قابلة للقسمة ..ولأن الزمن فى داخلنا غير قابل للقسمة أيضا..


    إن حياتنا لحظة طويلة مستمرة يصاحبها إحساس مستمر بالحضور ونحن نتعرف على الماضى من خلال الحاضر ..فحينما نعيش فى إحساس بالتذكر نسمية ماضيا ..وحينما نعيش فى إحساس بالتوقع نسمية مستقبلا .ولكن كل هذه الأحساسات هى حاضر..


    والفواصل بين الماضى والحاضر والمستقبل فواصل وهمية لأن اللحظات الثلاث يتداخل بعضها فى بعض كما يتداخل الليل والنهار عند الأفق...


    والذى يقوم بتعيين اللحظة فى الشعور هو الانتباه.


    الانتباه هو الذى يضع خطا تحت مشاعرنا وإحساساتنا فيخيل لنا أننا وقفنا لحظة والحقيقة أنه لا وقوف أبدا..وإنما نحن نعيش فى حالة تدفق داخلى مستمر أبدا ودائما..


    والزمن الخارجى ..زمن الساعات والمنبهات زمن كاذب خداع لأنه يساوى بين اللحظات ويجعلها مجرد أرقام على مينا..


    الساعة واحدة ..الساعة اتنين..الساعة تلاتة..مجرد حركات من العقرب ..وانتقال بضعة سنتيمترات على المينا ..أنه ليس زمانا ولكنه أوضاع مختلفة فى المكان ..أما الزمن الحقيقى فهو داخلنا ..وهو اضطراب دائم لا تتساوى فيه لحظة بأخرى ..لحظة صغيرة ولحظة كبيرة ..ولحظة تافهة.


    وهو غير قابل للتكرار ..لأن كل لحظة تحتوى على الماضى كله ومعه علاوة من الحاضر ..وفى كل لحظة تضاف علاوة جديدة من التجربة والحياة فلا تعود الحياة قابلة لأى تكرار ..,إنما تعلو على الدوام مثل نهر جار يزداد فيه الماء بين لحظة وأخرى ولا يتشابه فيه الماء فى لحظتين متتاليتين.


    إن العالم داخلنا يختلف كثيرا عن العالم خارجنا.


    إن العالم خارجنا متعدد منقسم إلى أجزاء منفصلة متجاورة فى المكان ..يمكن أن نشاهد فيه وحدات متكررة..


    والعالم داخلنا شئ آخر بالمرة..


    إنه تدفق لا تتشابه فيه لحظة بأخرى ولا يتكرر فيه إحساس واحد مرتين..


    ولا تتجاور لحظاتة وإنما تتابع ..وتتلاحق..وتداخل فى وحدة غير قابلة للقسمة هى حياتنا...


    وبهذا يكون هناك زمانان..


    زمن نراه من الخارج على هيئة شروق وغروب وعصر وظهر وساعات ودقائق..


    وزمن آخر نشعر به من الداخل على شكل تدفق يتصف بالدوام والاستمرار والاتصال..


    ونحن نرى الزمن الخارجى بالعقل وندركه بالتحليل والقياس والحساب ونعبر عنه بواسطة الأرقام..


    وندرك الزمن الداخلى مباشرة وبدون واسطة ..على شكل مكاشفة داخلية لكياننا...


    لذلك نقول على الزمن الداخلى إنه الزمن الحقيقى لأن الحقيقة تطالعنا فيه عارية بدون وساطة وبدون رموز...


    وهذا نوع من الاحساس يشبه إحساسنا بالحركة ..حينما نحرك ذراعنا فنحس أننا نحركها إلى فوق بدون حاجة إلى أن نراها ..لأننا نحس بهذه الحركة من الداخل مباشرة بدون وساطة الرؤية..


    بينما يحتاج الذى نشاهدة من الخارج ان يرى حركات ذراعنا بعينيه ويتبعها ويحللها بعقله ليقول إننا نحرك ذراعنا إلى فوق..


    ومعرفتنا نحن أرقى من معرفتة لأننا نعاين الحقيقة مباشرة وبهذة المعرفة اكتشفنا الزمن ..زمننا الحقيقى..


    ولكننا لا نعيش حياتنا كلها فى الزمن الحقيقى لأننا لا نعيش فى نفوسنا كل الوقت ..


    وإنما نعيش فى مجتمع ..نخرج ونختلط بالناس ونتبادل المنفعة ونتعامل ونتكلم ونأخذ ونعطى..


    ولهذا لا نجد مفرا من الخضوع للزمن الآخر ..زمن الساعات فنتقيد بالمواعيد ونرتبط بالأمكنة...


    ونبحث عن الأشياء المشتركة بيننا لنتفاهم ..وفى أثناء بحثنا عن الأشياء المشتركة تضيع منا الأشياء الأصلية.


    العرف والتقاليد والأفكار الجاهزة تطمس الأشياء المبتكرة فينا وتطمس الذات العميقة التى تحتوى على سرنا وحقيقتنا...


    ونمضى فى زحام الناس وقد لبسنا لهم نفسنا مستعارة من التقاليد والعادات لنعجبهم..


    وتتكون عندنا بمضى الزمن ذات اجتماعية تعيش بأفكار جاهزة وعادات وراثية ورغبات عامة لا شخصية ..


    وهذه الذات سطحية ثرثارة تقضى وقتها فى التعازى والتهانى والمجاملات والمعايدات والسخافات وتنفق حياتها فى علاقات سطحية تشبه المواصلات المادية التى توصل من الباب إلى الباب ولا توصل من القلب إلى القلب.


    وهذه الذات التافهة هى غير الذات العميقة التى نغوص إليها فى ساعات وحدتنا ونكتشف فيها أنفسنا ونتعرف على وجوهنا الحقيقة..


    إنها ذات جامدة مثل الجسد تحكمها الغرائز والضرورات الاجتماعية..


    وهى تشبه المرحاض النفسانى نفرز فيه كسلنا وضيقنا ومللنا ونقتل فيه وقتنا بانشغلات رخيصة تافهة مثل قزقزة اللب ولعب الطاولة ..ونحن نتأرجح فى حياتنا بين هذه السطحية وبين الذات العميقة ..نهبط مرة ونعلو مرة ..ونعيش فى زمن الساعات لفترة طويلة من يومنا فى وظائف وأعمال آلية روتينية..ونعيش فى لحظات قليلة متألقة فى داخلنا فى زمننا الحقيقى الجياش فنهتز بالنشوة ونشرق بالسعادة ونرتجف بالقلق ونمتلئ بالفضول واللذة ونعرف نفوسنا على حقيقتها وبكارتها...


    ونحن نكتشف هذه النفوس البكر فى مغامرات قليلة..


    نكتشفها لأول مرة فى مغامرة الحب حينما نعثر على المرأة التى تهز وجودنا..وتخترقنا ..وتخترق عادتنا وتفكيرنا وحياتنا وتقلبها رأس على عقب ..فتبدو أنها حياة جديدة عجيبة...


    ونكتشفها لثانى مرة فى مغامرة الفن ..فى لحظة الالهام التى ينفتح فيها شعورنا على إدراك جديد وتصوير جديد للدنيا ..فنكتب أو نغنى أو نرسم أو نقول شعرا...


    ونكتشفها لثالث مرة فى مغامرة التأمل وفى الشعور العميق بالتدين ..وفى لحظة الجلاء الفكرى والصوفى التى نضع يدنا فيها على حقيقة جديدة فينا أو فى الناس حولنا أو فى الدنيا..


    ونكتشفها لرابع مرة فى المعمل ..فى لحظة الاختراع التى نعثر فيها على سر من أسرار الطبيعة يبهرنا ويدهشنا ويصدمنا .


    كل هذه الاكتشافات تخرجنا من الزمن المبتذل المتكرر ..زمن الساعات ..وتنزل بنا إلى أعماقنا ..إلى زمننا الحقيقى حيث كل شئ جديد مبتكر ..مدهش ..جميل ..باعث لأقصى اللذة والفضول


    ..........



  2. #2
    *** ملاك المنتدى *** مشرفة عامة

    الصورة الرمزية دوري
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    14,003
    اعجبك
    377
    أُعجب بك : 331

    افتراضي الحب ..





    الحب


    الشهوة تكشف لك عن نوعك عن ذكورتك..


    والحب يكشف لك عن نفسك ..عن ذاتك


    والملل من الاثنين هو الإشعار الخفى الذى يأخذ


    بيدك إلى محبوبك الحقيقى..



    أحبك.....


    كلمة لذيذة تصيبنا بالخدر والدوار..


    كل شئ فينا يذوب و يتفتت حتى اللغة نفسها تذوب والزمن يذوب والعقل يذوب ..ونحن ننطقها...


    اللغة تتعطل فى لحظة الحب ويحل محلها سكوت ناطق معبر..والزمان والمكان يتلاشيان فى غيبوبة صاحية تكف فيها اللحظات عن التداعى وتنصهر فى إحساس عميق بالنشوة والنصر والفرح..


    قد تكون هذة النشوة لحظة واحدة ..ولكن هذة اللحظة تصبح كالأبد..


    الحب يؤبدها فتستمر ماثله امام الشعور ..تستمر فى المستقبل لسنوات طويلة تلاحق صاحبها وقد القت ظلا طويلا على حياته وامتزجت بصحوه ونومه واحلامه وهذيانه..والتزقت به من داخله فأصبح من المستحيل عليه أن ينفضها مع ثرثرة كل يوم ومشاغلة وتفاهاته..


    أصبحت بعض نفسه ..تحيا بحياته ..وتموت بمماته.



    فى لحظة الحب ينفتح شئ فينا ..ليس الجسد ..بل ماهو اكثر..


    بوابة الواقع كلها تنفتح على مصراعيها فتتلامسس الحقائق والمعانى الجميلة والمشاعر التى يحتوى عليها الحبيبان.


    فيحدث الانسجام من هذا التماس بين الأفكار والمعانى والأحاسيس الرقيقة..


    ويخيل للاثنين فى لحظة أنهما واحد ..ويسقط آخر قناع من أقنعة الواقع ...فتذوب الأنانية التى تفصلهما ..فيصبحان مصلحة واحدة وفكرة واحدة.


    ولكنها لحظة خاطفة لأن الواقع الصفيق ينسدل من جديد بين الحبيبين فيعود الهم يعزلهما الواحد عن الآخر ..هم الزمن والساعة التى أزفت والميعاد الذى انتهى والوقت الذى حتم على كل منهما أن يعود إلى عمله..وهم المكان الذى يعزلهما كل واحد فى بلد ..وهم الجسد الذى يحوى كلا منهما فى كيان مستقل من اللحم والدم ..وهم المجتمع الذى يحتوى الاثنين ويطالبهما بالتزمات وواجبات ..وهم الماضى الذى يدخل كشريك ثقيل فى كل لحظة..


    إننا لا نعيش وحدنا ..بل هناك الآخرون ..وكلهم ينازعون حريتنا ولقمتنا وحياتنا ..


    وفى هذا الزحام نضيع ويطمس الواقع على احلامنا ويأخذنا معه فى دوامة من التكرار السخيف الأكل والشرب والنوم..لا نفيق منها إلا لنغيب فيها من جديد وتمضى حياتنا فى روتين ممل لا نلتقى فيه بانفسنا أبدا ..ولا نذوق الحب ولا نعرفه.


    وقد نتزوج ونعيش حياة بليدة هادئة ..نلتقى فيها بزوجاتنا كما نلتقى بدفاتر الحضور فى الديوان ..نوقع عليها كل ليلة لنثبت حضورنا فى الميعاد ..ونعيش حياتنا الجنسية بدون وجدان ..وتظل الزوجة فى نظرنا مجدر أنثى لقضاء الحاجة ..يمكن أن تحل محلها الخادمة أو أية امرأة بدون أن نحس أن شيئا ما ناقص أو مفقود.



    إن الشهوة شئ غير الحب..


    إنها أقل من الحب بكثير ..فهى رغبة النوع وليست رغبة الفرد..


    أنها علاقة بين طبيعتين وليست علاقة بين شخصين ..علاقة بين الذكورة والأنوثة..


    والفرد لا يكشف فيها عن نفسه ولكنه يكشف نوعه وذكورته..


    والحب يحتوى على الشهوة ولكن الشهوة لا تحتوى عليه.


    بالحب لا تكشف فقط أنك ذكر ..ولكن تكشف أيضا
    أنك فلان وانك قد أخترت فلانة بالذات ولا يمكن لأن تستبدلها بأخرى..



    إن كلمة أحبك هى أعمق وأجمل كلمة فى حياة الرجل لأنها ليست مجرد كلمة وإنما هى نافذة يطل منها على حقيقته وسره.



    والحياة الخالية من الحب حياة باردة موحشة سخيفة خالية من الحماس والطعم والبهجة تنساب فيها الرغبات مضعضعة ميتة من الملل والضجر والفراغ..



    الحياة بلا حب غربة..


    والشهوة لا تسعفنا ولا تطفئ عطشنا ولا تعوضنا الحب..


    إنها وسيلة للهروب فقط نبدد بها نشاطنا ونتخلص منه..


    إنها مثل الخمر والقمار والمخدرات وسيلة للإغماء والإعياء والبلادة...


    والشئ الوحيد الذى يستطيع أن يحل محل الحب هو الفن ..لأنه ينفذ إلى القلب مثله ..ويكشف عن ذاتنا العميقة ..ويوصولنا إلى اللحظات الأبديه المليئة ..ويطلعنا على كنوزنا وأسرارنا..


    وما يبدعه الانسان من فنون خالدة يدل على أنه يحتوى على بذرة الخلود فى داخله..


    وما يعيشه من لحظات أبدية يدل على أنه يحتوى على الأبديه فى قلبه.



    والحب الذى هو أعمق من كل حب لا يفجره فى القلب إلا التصوف والشعور الدينى ..لأن الدين هو الذى يعيد الانسان إلى النبع الذى صدر منه ويأخذ بالانسان الساقط فى الزمان والمكان ليرفعه إلى السموات الأبدية ولا يرفعه إلى هذه السماوات إلا الحب..منهى الحب الذى يفنى به العابد عن نفسه وعن الدنيا شوقا إلى خالقه..


    وما حب الانسان للمرأة ..وما حب الانسان للفن ...وما حب الانسان للجمال ..إلا خطوات الدليل الخفى الذى يقودنا إلى الله..


    إلى المحبوب الوحيد الذى يستحق الحب ..إنها محطات سفر إلى المحطة النهائية ..محطة الوصول..


    مرة بعد مرة يكتشف الانسان أن موضوعات حبه لا تملك وجودا حقيقا ..فالوردة تذبل والشمس تغرب والمرأة تشيخ والجديد فى الفن يبلى..


    وما رآه فى المرأة جمالا يكشف أنها لا تملكه وأنه يزايلها بالشيخوخة ..إنه لم يكن جمالها ..لقد كان وديعة أودعت عندها ثم استردها صاحبها..


    وتبرد الشهوة..


    وتفتر العاطفة..


    ويتجه الرجل بحبه إلى امرأة أخرى لتتجدد الخيبة ويتجدد الملل ويتجدد الضجر...


    لا ..إن حبه أكبر من أن تستوعبه ذرعان.


    إن حبه يعبر به الغايات المحدودة ويتجاوزها إلى قيم الفن والجمال والعدالة والحقيقة..


    وهو على عتبة هذه المجردات يكتشف أنه يريد الله بكل حبه فهو الواحد الذى تجسد فيه كل هذه القيم اللانهائية..


    هو اللا محدود فى مقابل المحدود.


    هاهو أخيرا يجد الجواب على السؤال اللغز الذى طالما حيره.


    لماذا خلقت ..لماذا وجدت فى هذه الدنيا؟؟


    هو الآن يعرف لماذا خلق.


    ليصل إلى حقيقة نفسه .وليدرك إلهه.


    وما أرض الواقع إلا المزرعة التى يلقى فيها بإمكانياته لتورق ولتثمر وتتحقق ..تلك الامكانيات الباطنة فيها بطون جنين القمح فى بذرة القمح.


    وهو يرى نفسه كإرادة هائلة تتخبط فى سروال ضيق من الجلد واللحم لا يسمح له إلا بالسير البطئ خطوة خطوة والحياة بالقسط لحظه بلحظة ..وفى كل لحظة من لحظاتة يترك بأعماله أثرا يدل عليه.


    وهو كل يوم يملأ ورقة الامتحان ويجيب عن الأسئلة الأزلية :من أنت ؟؟


    ماذا تريد أن تقول ؟.


    ماذا تريد أن تفعل ؟.


    ماذا تخفى فى قلبك؟.


    ليكشف عن مكنونه ويحقق ذاته ويقوده حبه لنفسه وحبه للمرأة وحبه للجاه والسلطان إلى يأس بعد يأس وملل بعد ملل وإحباط بعد إحباط حتى يشرق فيه حب الحق ليدله على الطريق الى الواحد الأحد الذى تجتمع فيه كل الكمالات.


    ويزداد حبه عمقا ليصبح عبادة وصلاة ..وهو يصعد فى طريق العودة إلى منبع الأنوار...


    وهو الآن يشعر أنه وجد نفسه حقا وعرف إلهه وعرف هدفه وعرف طريقه.


    وهو يدرك أن كل ما عاناه من عذاب وألم وإحباط ويأس لم يذهب عبثا ..فقد كانت كل تلك الآلام هى المؤشرات التى كشفت له طريقه ودلته على حقيقته ..كانت بوصلته ودليله فى بحر الظلمات.


    ومن أجل هذا خلق الله الحياة ..


    إن الأنسان معجزة المتناقضات.


    إنه فان ويحتوى على خالد.


    وميت ويشمل على حى .


    وعبد ويحتضن قلبا حرا.


    وزمنى ويحتوى على الأبدية.


    وحبه وفنه وتفكيرة وصحته ومرضه وجسده وتشريحه تدل كلها على هذا التركيب المتناقض.


    الدنيا كلها تقيده وجسده يقيده مثل الجاكيتة الجبس..ومع ذلك لا تمنعه هذه القيود من أن يضمر فى نفسه شيئا ..وأن بفرض هذا الشئ على ظروفه..


    فهو يصهر الحديد ويسوى الجبال بلأرض ويشق الأنفاق ويطلق قذيفة من عدة أطنان إلى القمر ..كل هذا وهو جسم صغير هلامى من اللحم والدم..


    وهو يرقد مريضا مشلولا يائسا ..فإذا اجتمع بزوجته أنجب طفلا يرقص من الصحة والعافية..


    أين كانت هذه الصحة مختفية فى المرض..


    وهو يبدو ضعيفا قليل الحيلة..تقتله رصاصة بمليم ..تماما مثل الرصاصة التى تقتل الكلب ..ولكنه مع هذا يستطيع أن يطلق صيحة يهدم بها نظاما بأسره..


    من أين يخرج صوته ..وينساب تفكيره ..وينصب شعوره..وتتدفق قواه غير المحدودة...


    إن أعضاءه تبدو فى التشريح من مادة تقبل الوزن والقياس وتخضع للزمن..ولكن شعورة يكشف عن مادة لأخرى وزمن لأخر يعيش فيه غير زمن الساعات والدقائق ..زمن حر يقصر ويطول حسب إرادته.. وتعمق هذا الشعور فى لحظات الحب والالهام والتصوف...يكشف عن حقيقة أغرب..


    إن هناك أفقا ثالثا فى داخله..


    أفقا غير زمنى ..لحظاته أبدية مليئة..لا تنقضى مثل اللحظات وإنما تظل شاخصة فى الشعور مالئة للوجدان..


    ماذا تكون تلك اللحظات ..


    أتكون هى الثقوب التى تطل على سره..


    وماذا يكون سره الخافى تحتها ..


    أهو الروح ؟!!


    وما الروح ؟!!


    إنها الحرية..


    الحرية جوهر الانسان وروحه..ومن خلال محاولتنا لفهم الحرية سوف نقترب من فهم الروح..


    ............


  3. #3
    *** ملاك المنتدى *** مشرفة عامة

    الصورة الرمزية دوري
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    14,003
    اعجبك
    377
    أُعجب بك : 331

    افتراضي الخيط..



    الخيــــــــــــــــط


    القشة فى البحر يحركها التيار


    والغصن على الشجرة تحركة الريح


    والإنسان وحده ..هو الذى تحركه إرادته.



    أجمل ما فى الدنيا أنها واضحة ..تغمرها الشمس..كل شئ فيها يمكنك أن تراه وتسمعه وتزنه وتقيسه وتتذوقه وتحلله وتستنتجه..كل ما يحدث فيها له سبب ..وإذا عرفت سببه استطعت إحداثه كل شئ يجرى بنظام محكم من الأسباب والنتائج ..وإذا كان لديك ورقة وقلم فإنك تستطيع أن تحسب بلضبط متى تشرق الشمس ومتى تغرب ..لأنها تتحرك حسب قانون...


    وكل شئ فى الدنيا يتحرك حسب قانون..


    إلا الانسان ..فإنه يشعر أنه يمشى على كيفه.


    الانسان وحده هو الحر المتمرد الثائر على طبيعته وظروفه ولهذا يصطدم بالعالم ويصارعه ..ويستحيل فى أية لحظة أن تتنبأ بمصيرة..


    إن ما يحدث داخل الانسان وفى قلبه لا يخضع لقانون ..لا توجد هذه الحلقات المترابطة من الأسباب والنتائج فى داخل نفوسنا....


    إننا نرغب ونتحمس ..ونعمل ولكن هذه السلسلة من الرغبة والحماس والعمل لا تتبع الوحدة الأخرى حتما ..وإنما يظل الانسان قادرا على التملص فى إية لحظة ..فإذا تراءى له أن يصرف النظر ..فإن رغبته تموت وحماسه يبرد ولا يتسلسل إلى غايته..


    والسبب ؟..


    لا يوجد سبب..


    أنه لم يعد يريد..


    ولماذا لم يعد يريد؟..


    كده ..


    هو ببساطه لم يعد يريد..


    إن مجرد إرداته سبب ..فى غير حاجة إلى سبب..


    وهذه الحريه ..وهذا التملص من ال ..لابد واللازم ..والضرورى...لا يوجد فى أى مكان فى الدنيا ألا فى الانسان ..أنه وحده الذى يخلق نفسه بنفسه ..ويولد كل يوم ميلادا جديدا ..ويتطور ويتكون ..وتتغير شخصيته وتدخل عليها التعديلات والتبديلات ...


    إن أرادته تدخل على كل لحظه فتعدلها وتخل بأى تعاقد طالما أنها أردات هذا الاخلال ...


    ولهذا يستحيل التنبؤ ..لأن كل لحظة تبدو جديدة غير متعاقدة بسابقتها.


    لا شئ يحول بين الانسان وبين ان يضمر شيئا فى نفسه..


    إنه المخلوق الوحيد الذى يملك ناصية أحلامه..


    ولكن هذه الحرية البكر الطليقة فى الداخل ما تلبث أن تصطدم بالعالم حينما تحتك به لأول مرة فى لحظة الفعل:


    إن رغبتنا تظل حرة طالما هى فى الضمير والنية..


    نستطيع أن نرغب أى رغبة ..ونحلم أى حلم ..ونتمنى أى أمنية..ولكن المأساة تبدأ فى لحظة التنفيذ حينما تحاول رغابتنا أن تحقق نفسها فى الواقع ..فتصطدم بالقيود ..وأول قيد نصطدم به هو الجسد ..جسدنا نفسه الذى يحيط بنا مثل الجاكتة الجبس ..ويحاصرنا بالضرورات والحاجات ويطالبنا بالطعام والشراب ليعيش ويستمر ولا نجد مهربا من تلبيه هذه المطالب ..فنجرى خلف اللقمة ونلهث خلف الوظيفة ونضيع فى صراع التكسب وفقد بعض حريتنا ..


    وليس أمامنا حل غير هذا فراغباتنا لا تستطيع أن تعلن عن نفسها بدون جسد..


    وجسدها هو أداة حريتنا ..وإن كان يقيد هذه الحرية فى نفس الوقت..


    وليس لجسدنا وحده بل أجساد الآخرين أيضا أدواتنا ..فنحن ننتفع بما يصنعه العامل وما يزرعه الفلاح وما يخترعه المخترع وما يكتبه الكاتب وكل هذه ثمار أجساد الآخرين وحرياتهم..


    إن المجتمع أداة هائلة موضوعة فى خدمتنا بما فيه من بريد ومواصلات ونور ومياه وصناعات وعلوم ومعارف


    وحينما يركب أحدنا قطار فإنه يركب فى نفس الوقت على حرية جاهزة أعدها له آلاف العمال والمخترعين والمهندسيين فى سنين تاريخية طويلة ..وهو يدفع فى مقابل الكسب ضريبة من حريته.


    وليس المجتمع وحده هو الذى يتقاضاه ضرائب ..ولكن الكون كله جاذبية الأرض ..وضغط الهواء ..ومياة المحيطات والغابات بحيواناتها وطيورها والسماء بكواكبها ..كلها تحاصرها وتحاصر حريته وتطالبه بنوع من الوفاق معها.


    وهو بالوفاق يربح حريته دائما..


    بالوفاق مع العالم يمتطيه كما يمتطى الجواد..


    فهمو حينما يفطن إلى اتجاه الريح ..ويضع شراعه فى موججته يمتطى الريح ويسخره لخدمته.


    وحينما يفطن إلى أن الخشب أخف من الماء ..ويصنع مركبا من الخشب ..يمتطى الماء ..وبالمثل يفطن إلى نفع الناس ويسير فى اتجاهاتهم ..يكسب الناس ويكسب معونتهم..


    إن المجتمع يضغط على الفرد وعلى حريته ..ولكن العقل يستطيع دائما أن يقلب هذا الضغط إلى مصلحتة ومنفعتة وحريتة بأن يكشف ببصيرته القوانين التى تربط الأشياء بعضها ببعض.


    إن الانسان يعيش مضطربا بين عالمين ..عالم رغباته ونزواته وكلها حرة طائشة بلا حدود ..وعالم المادة حوله وهى جامدة محدودة مغلولة فى القوانين..


    وسبيله الوحيدة هى معرفة هذه القوانين.


    حريته لا تستطيع أن تشق طريقها بدون العلم ..أنها بدون العلم تكون مجرد رغبة مجنونة فى داخله مجرد نية وحلم وأمل سجين.


    مجدر حرية وجودية تصلح مادة لقصة أو قصيدة أو أغنية أو تمثال أو مغامرة ..أو جريمة قتل ..ولكنها لا تصلح لكسب حقيقى واقعى.


    إن الفرق بين العبودية والحرية هو خيط رفيع ..خيط رفيع يرقص عليه الانسان ويتأرجح.


    إذا سقط فى داخل نفسه ضاع فى أحلام اليقظة والرؤيا والأمانى


    وإذا سقط فى العالم ضاع فى دوامة الزمن الآلى ..وجرفه الروتين والعرف والتقاليد ..وابتلعه المجتمع فى جوفه.


    وإذا فتح عينيه ونظر إلى العالم حوله فإنه يستيطع النجاة بحريته .ويستطيع أن يقفز على الحبل خطوات واسعة إلى الأمام..


    إن طريقه ضيقة محفوفة بالمخاطر ..والموت يترصده من كل جانب.


    إن عليه أن يدرس الواقع حوله بما فيه من منخفضات ومرتفعات ومطبات ..ويكتشف مافيه من قوى ..ويتعرف الطريق إلى قيادتها والاستفادة منها ..


    إن الخيط الذى يسير عليه هو خيط ضيق من الواقع ..يحف به العالم من ناحية .زوتحف به رغباته الطائشة من ناحية أخرى..


    ولو دخل فى نفسه ولاذ برغباته وأحلامه وانطوى على ذاته فإنه يموت كما تموت الوردة التى تنفصل عن شجرتها..وتستعبدة شهوته وتسجنه غرائزه..


    وإذا ذاب فى المجتمع وخضع للناس خضوع الشاة ..فإنه يموت ويفقد شخصيته..


    وحبل النجاة هو ذلك الخيط الرفيع ..حيث يحدث التصادم بين نفسه والعالم بين داخله وخارجه ..وحيث تلتحم رغباته بالدنيا مائة مرة كل يوم..


    حبل النجاة أن يكون ذاتيا موضوعيا فى نفس الوقت ..أن تكون عينه مفتوحة على داخله ..واعية لما يجرى حوله ..وإن يتدفق نشاطه من هذه البطاريه ذات القطبين على الدوام .


    بهذا وحده يفوز بنفسه ويفوز بالعالم ويصبح انسانا حرا..



    ولكن هل يفوز بحريته بحق بلا حدود ..ألا توجد سلطة عليه غير ظروفه


    هل يستطيع أن يقول أنه مخير وإنه لا توجد قوة أعلى منه ترسم له مصيره وقدره.


    أم أن حريته فى غايتها هى حرية بشرية محدودة ونسبية.


    وأين يكون مكاننا من المشكلة الأزلية ..بين المخير ..والمسير؟؟!!!!!!


  4. #4
    بنت الأطلسي

    الصورة الرمزية sara2001
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    morocco
    المشاركات
    8,408
    اعجبك
    987
    أُعجب بك : 1,464

    افتراضي


    اكتر من رائعععععععع هدا الطرح يا دوري

    شكرا لك يا غالية

  5. #5
    *** فنان المنتدى *** مشرف عام

    الصورة الرمزية الموسيقار
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    سحابة فى سماء مصر
    المشاركات
    20,819
    اعجبك
    1,363
    أُعجب بك : 1,046

    افتراضي




    دائما متميزة جدا يا دوري فى أختيارتك للكتب الرائعه

    تحياتي لكِ


+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الفرق بين .. الموت..... والجواز!!!!!!!!
    بواسطة freebird في المنتدى منتدى الطرائف والالغاز و المسابقات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 03-30-2009, 01:22 AM
  2. حوار ................ مع الموت!!!!!!!!
    بواسطة freebird في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-26-2007, 03:31 PM
  3. المرأة التى ابكت ملك الموت!!!
    بواسطة freebird في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-26-2007, 03:06 PM
  4. خشيه الله
    بواسطة mwafeek في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-30-2007, 08:22 AM
  5. علامات تدل على حسن الخاتمة ؟؟
    بواسطة freebird في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-22-2007, 04:10 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك



-
Privacy Policy